No replies
صبا نبهان
User offline. Last seen 2 years 34 weeks ago. Offline
Joined: 2006-02-13
روح المدينة..        
طرطوس – حزيران – 2007

وللمدن أرواح..وهي تشبه رواح البشر ، فنحب هذه المدينة أو ننفر منها للمرة الأولى التي نلتقيها، وقد لاتعني لنا شيئاً على الإطلاق.
إلا أن ما اعتراني حين مررت بك للمرة الأولى يا لاذقية ، كان إحساساً حميماً غمرني وأنا أجول شوارعك تطل علي بأنوارها وحيويتها من نوافذ السيارة الكبيرة وأنا في طريقي إلى حفلة عرس مدعوة إليها مع أهلي في إحدى المناطق التابعة لللاذقية ، أذكر حينها أنهم قالوا لي هنا قد تدرسين مستقبلاً ، ولاحت لي المدينة الجامعية تطل كملكة شامخة بملكها على تلة أول المدينة تقابل صرح الجامعة الذي يزيد جلالاً فيمسكان بمدخل المدينة بحرة ترحيبية تشد الداخل  حول تقاطع دائري يجبر القادمين أن يبطئوا حركتهم وينحنوا جانبياً ليتسنى لهم أن يشعروا بحرارة الإستقبال .
 وبعد أن اجتزنا المدينة بقيت طويلاً أنظر خلفي أحاول أن أطبع الصور في عقلي بمنتهى السعادة وكأني أتفرج على مستقبلي ، فأغمضت عيني أرى نفسي صبية مرحة أمسك حقيبتي الأنيقة مع حذائي ذي الكعب العالي ، بينما يسرح شعري على ظهري بحرية وعشوائية تشبهني ، أقف وسط أصدقائي الرائعين ، نمسك الدفاتر والمساطر ونتداول أحداث ما جرى اليوم في الجامعة ، أمام باب السكن الكبير يزينه علم بلادي ، ومن يدري قد يكون أحدهم حبيبي يوصلني ويهمس لي كلمة حلوة قبل أن يمضي عند انتهاء وقت الزيارة وإغلاق الباب ، فيضحك لنا الليل وقد ملأناه بهجة كما يفعل أولئك الشباب والصبايا اللذين مررت بهم من لحظات..كم حلمت أن أبر وأصبح طالبة في الجامعة أعيش بعيدة عن أهلي حيث أذوق صعوبة الحياة .
ومرت بعدها سنتان أو ثلاثة ، بتجاربها وآلامها، إلى أن جاء اليوم الموعود ..
كانت لحظة تقرير المصير يوم اخترت رغبتي الأولى ضمن المفاضلة الجامعية في اللاذقية ، حزمت حقائبي وعلبي  تطل منها مقلة صغيرة وعدة أكواب وصحون ، بينما تزاحمت المؤن في علبة أخرى وضعها أبي في صندوق السيارة وناداني لنرحل ..
نظرت إلى شرفة بيتنا الحلوة تطل على حافتها أزهاري ونباتاتي حزينة ، بينما تقف أمي بعباءتها الصيفية وحولها شقيقاتي يتنافسن بالدعوات والتلويح ، ولم تبخل علي الجارات بالوداع من شبابيكهن وهن ينادين أطفالهن ليروا ابنة الجيران ذاهبة إلى الجامعة ، لعلهم يهتمون بدراستهم واجتهادهم كما فعلت. أجل أنا ذاهبة إلى الجامعة كطالبة في كلية الهندسة المعمارية التي ناضلت كثيراً لدخولها ، وهذا أكثر ما حلمت به بعد ما ذقت الفشل أول مرة في حياتي واضطررت أن أتقدم مرة ثانية للشهادة الثانوية وها قد نجحت وتفوقت وسجلت في كلية العمارة ، فعام هذه الدموع الآن تقيس وجنتي المتحمستين؟
لم أشعر بنفسي إلا وقد كرهت فجأة كل ما يبعدني عن حضن أمي ووجهها الأبيض ، يقف ستمر الأيام دون أن يوقظني أبي بصوته المتزن يدعوني لقهوة الصباح ، كيف سيمضي النهار دون نزاع مع شقيقاتي حول تل السترة أو ذاك الحذاء،وهل يصبح للوقت نكهة حين يمر دون أن أقرص وجنتي أخي الصغير وأضمه بين ذراعي كملاكي المفضل؟
ناداني أبي من جديد بعد أن نهرني لعادة (( البكاء عند كل شاردة وواردة)) كما يقول، حزمت أمري ولوحت لكل الوجوه التي اكتشفت لتوي كم أحبها .
لم تكن اللاذقية يومها مثلما التقيتها أول مرة ، لم تتغير مبانيها ولا شوارعها ، إلا أن روحها كانت غريبة عني تماماً ، كانت بمثابة يد قاسية تنتزعني من شجرتي ، وتجبرني أن أبني عشاً فيها ، وما أصعب الحياة في عش غريب. كانت البداية صعبة ، لم آلف الناس واحجر ، كان العمل والجد والرسم ملاذي ، كنت أبني لنفسي مجداً يعزيني وألفه بشوق هدية لأهلي  عندما أعود نهاية كل أسبوع ، لم يعن لي أحد أكثر من رفيق أتسلى معه ، لم أستطع أن أتعلق برائحة معينة ولا عينين أو يدين ، فصممت مشاعري عن كل المغازلات بمختلف فنونها وطرقها ، وزاد في غربتي تجاربي الفاشلة والمتواضعة في عالم الرجال ، فرحت أتعلق بكل ما يذكرنا ببيتنا ، أضم علب الزيت والزيتون عليها آثار أصابع أمي ، أستنشق الأوراق المالية وقد وضعها أبي في جيبي يذكرني بأني لن أحتاج أحد، انت صورة ابنة عمي الصغيرة فوق السرير تختصر كل من أحب ترافقني في سهرات الليالي الطويلة، وانشغلت بالعمل شيئاً فشيئاً، صار لي أصدقاء يشبهون الذين تخيلتهم وقد جمعنا الحنين لأهل رائعين ، كنا معاً أهلاً لبعض، نحب نعمل ندرس نتآخى ، ونقطن معاً في مبنى أزرق كبير، صرت أتعلق بروحه رويداً رويداً حتى وصلت إلى حين  أحزن لرحيلي عنه آخر الأسبوع ، وإن كان الفرح للعودة إلى البيت أكبر. ونجحت وتميزت ونلت المرتبة الأولى في اللية ، ان يوماً عظيماً في حياتي ، كان النجاح الأول ما بعد  الفشل وما ألذ النجاح لما يأتي بعد تعب . يومها صارت اللاذقية أحلى تتردد فيها ضحكاتي مع رفاقي في كل شارع ، وصارت صورنا تنطبع في واجهات المحال  التجارية التي أصبحت تعرفنا ، صارت الأرصفة معتادة على وطء أقدامنا بخفة  وحيوية ونحن نغني تحت المطر ، صار لنا في كل مكان ((أبو محمد وأبو علي وأم حسان وعمو سعيد.......)) أما كوى الهاتف التي لا تشبع من الليرات ، فقد اعتادت أحاديثنا الطفولية ونحن نروي لأهلنا وأحبائنا تفاصيل هذا اليوم الشاق ..وتطبطب آلامنا عند ل حنين  فتواري دموعنا عن الناس ، لا تلبث تنهمر عند سماع صوت آت من بعيد..
ومضت السنون بحلوها ومرها ، بظلمها وقهرها ، بمرحها وذكرياتها ، وها أنا أقف على أعتابك يالاذقية، ابنة خمسة وعشرين عاماً ، مهندسة معمارية.............. ..........وعاشقة.
فيا سيدتي الحلوة .. هل لك أن تتخيلي ، كيف نقف على أعتاب مدينة كانت لنا أماً ، وأهلاً ، ومرتعاً لأحلى الذكريات ؟ أراك ممتدة أمامي بصدق وعفوية تفوح منك رائحة الحب ، أتذكر نفسي لما رأيتك أول مرة ، ويف أني كل ما خططت له مررت به وعشته في أحضانك بسلام .. فاشتريت عشرات الحقائب والأحذية ، بعب عال أو بلا كعب، وضعت كل ألوان أحمر الشفاه ..غازلني مئات الشبان والرجال، وتركت آثاري وعطري في كل زاوية وشارع ، حتى أعمدة الإنارة لا يكاد يخل أحدها من بصماتي وقد استندت أرتاح من سير طويل ، أتبادل الضحكات مع حفنة من الأصدقاء الرائعين في أيدينا مساطرنا وأقلامنا نخط في الهواء سطراً من الإخلاص ، نرسم أحلامنا الوردية فتترك على وجناتنا خربشات بالحبر والألوان.
ها أنا اليوم ..
أرمق الماضي القريب بحميمية وفخر ، إلا أن مالم أخطط له يوماً ولم يخطر على بالي هو :
أن ألتقيك أنت بالذات هنا ..وأقه في حبك..
فأنت لم تكن يوماً خطة مستقبلية أو طموح مراهقة ، أطللت بوجهك الصارم  والمريح معاً، بوقار لا يناسب جنوني وفوراني الدائم ، كنت هادئاً رصيناً متزناً بشكل لا يوحي بأنك ستهزني إلى هذا الحد ، فاعتدت ركوب الموج العالي ، لا يهمني الترنح ما دمت أصل إليك..
بت أتعلق بأي فضاء بشكل رحماً قد يضمنا معاً ، استيقظت فجأة ووجدتك حافزاً دائماً يدفعني باستمرار للأمام ،فأحب عملي ودراستي ، أحب أهلي وأصدقائي..صرت شخصية أخرى لا ينال منها الفشل مرة ولا عشر مرات ، كنت أنهض من جديد أنفض عني غبار الأمس فأغسل وجهي بنسماتك لأغدو فراشة  لا تقنصها شباك ..فكرت بكل شيء وتخيلت أموراً كثيرة ، ولكني أعترف أنك لم تكن جزءاً منها، إذ نبت في أيامي كبرعم ضخم لم أفهم أية ريح أتت ببذوره، ونموت بسرعة جنونية كشجرة حرصت أن تسقيها برقيك وحضارتك ، فعرشت على كتفي تظللني أينما أكون ورمت جذورها عميقاً في قاع قلبي، دون أن يراها أحد ، فجعلت مني أنثى دائمة الخضرة يتعجب الآخرون من عطائي ، أجول وأعمل ، أسافر وأدرس ، بلا نوم ولا طعام ، مستغربين من أين طاقتي ، فأضحك في سري من جهلهم .
يخطئ الذين يتهمون المدينة بأنها أبنية وشوارع ، يقطنها ناس عاديون يعيشون حياة عادية ، فكما تعلمت في العمارة ، للمدن أرواح ..تقطن أجساداً دافئة بدفء روحها، للمدن أرواح...وأنت كنت دوماً روح المدينة ، تعيش في كل حجر منها ، تشدني إلك بقوى خفية ، لم ألقها في أية مدينة أخرى ..
ولما اكتشفت سرك هذا ..كان الأمر قد وقع ، وغربتي انتحرت ، ولا مناص من الحقيقة بأني..عشقت روح اللاذقية.
اليوم ، وفي طريقي هذا الذي حفظته عن ظهر قلب ، أعود..ولا أملك إلا أن أذرف دمعتين وقد لاحت لي لافتة زرقاء قديمة كتبوا عليها بكل قسوة:
((رافقتكم السلامة))

اعتقال لحظة جميلة

جزر الاميرات-اسطنبول تركيا
اطلالة من جبل النبي متى الى المنطقة المحيطة
في غابة النبي متى بين اشجار الكستناء
في منطقة النبي متى
شجرة سنديان قديمة جدا في ظهر المتن- الشيخ بدر-طرطوس
في الطريق بين الشيخ بدر وغابات النبي متى
في حديقة قصر السلاطين- اسطنبول تركيا
الى جزر الاميرات-اسطنبول تركيا
احدى جزر الاميرات-اسطنبول تركيا
على احدى جزر الاميرات في الحنتور

أحدث التعليقات

في حديقتي الان

There are currently 0 users and 1 guest online.

من أين يزار الموقع اليوم؟