تحرر المرأة العصرية...!!
لمّا كانت الأفق ضيقة... والنوافذ صدئة موصدة في وجه أية ملامح تحررية للمرأة كانت هناك نسائم تحدٍ وتطور إنساني نسائي، تبنته نساء جريئات متحررات من كل الأوهام التي تقضي بقصور المرأة الذهني والروحي، مؤمنات بقدرات المرأة الكامنة( ذهنياً واجتماعياً وعلمياً) فاتحات الأبواب مشرعة، راصفات الطرق الوعرة أمام تقدم المرأة الذي نراه اليوم في بعض جوانبه، غير آبهات لكل التقولات والشائعات، فارضات احترامهن على الجميع، فاعلات مؤثرات في تطور الحياة الفكرية والعلمية للمجتمع، يقودهن إيمان عميق بقدرة تلك التي يقع على كاهلها مسؤولية تربية الأبناء ليكونوا أفراداً صالحين في المجتمع. فكيف لتلك القدرات التي تبني أساس المجتمع(الفرد) أن تكون غير مؤهلة لقيادة ذاتها وانطلاقها، غير واعية لحقوقها وحريتها. لذا كانت مهنة الأديبة، المعلمة، المحامية والطبيبة التي تركت بصمات لا تمحى في تاريخ الحركة النسوية، والأمثلة كثيرة.
والذي أود قوله لكل النساء، خصوصاً اللواتي يخطين أولى الخطوات في طريق الحياة، أنه لا شيء استطاع أن يوقف طموح أولئك النسوة في زمن القيد، لأنهن كن مؤمنات بقدراتهن وبأهمية دورهن في الحياة، وهذا ما أهلهن للسير بخطا ثابتة رصينة في طريق الحرية الاجتماعية والعلمية، والتي لم تكن في لحظة حرية اللباس السافر، أو السلوك المستهجن من المجتمع، وإنما في إرادة وعزيمة جبارة لإثبات وجودهن الفكري والإنساني من خلال الثقافة والعلم واحترام الذات، واقتحام مجالات لم تكن يوماً مسموحة لهن، في محاولة جادة لانتزاع نصف المجتمع من المستنقع الذي استسلمت إليه عامة النسوة، حيث كان الرجل يضع سلطته فوق الجدل ويسوق النساء لاتباع أنظمته. والمرأة صامتة فاسحة المجال له ليصوغ القوانين باسمه وباسمها، دون أن يكون لها حضور ملموس في صياغة هذه القوانين، راضخة لدورها التقليدي في الحياة من رعاية شؤون البيت والأولاد ومتعة الرجل. فحاولت المرأة الرائدة من خلال ذلك انتزاع الخوف والخنوع الذي استساغته المرأة آنذاك، وتفننت فيه لإرضاء الرجل والحصول على ما تريد من حلي وثياب وما شابه ..!!
من هنا، فإن للمرأة قدرات هائلة قد تتفوق فيها على الرجل إن هي وظفتها بإطارها الصحيح، وذلك بسبب خاصية الصبر التي تمتلكها لتخطي لحظات المخاض الأليم، ومن ثم رعاية الطفل وتربيته.
لذا، فهي إن أرادت وآمنت بحقها وقدرتها على تفعيل دورها في الحياة، لاستطاعت بلوغ أسمى الأهداف دون انتظار مساعدة المجتمع والرجل وقوانينه وأعرافه، لأنه لا يمكن لإنسان أن يمنحها حرية هي غير مؤمنة بها أو غير مؤهلة لها، ما لم تسعَ هي لتلك الحرية والإنسانية.
تقول غادة السمان مُعَرفةً المرأة المتحررة:
" الفتاة المتحررة- ليست كما يعتقد البعض- تلك الدمية عصرية الأصباغ والأزياء، وتلف في أسواق التفاهة، والتي تحررت من ثيابها وإنسانيتها واحترامها لنفسها، فهذه لا تمثل إلاَ النموذج الحديث للبطالة المترفة في سنوبيزمي أبله ضيق الأبعاد. "
فالحرية: فعل وعي ورقي متطور، يُمارس من خلال منظومة فكرية قوامها العلم والثقافة، ووعي الذات والواقع. فإن امتلكت المرأة تلك المنظومة عملت على قراءة الواقع بشكل علمي وعملي من خلال كسر الجمود الذي قيدها دهوراً متعاقبة، والذي يجعل منها فعلاً دمية تلبي رغبات مالكها بكل أبعاد تلك الرغبة. وهي بذلك تسعى لتغيير وتحرير المجتمع وبنائه وفق معايير صحيحة تشمل جهود المرأة والرجل معاً. أما إذا بقيت تحمل موروثاً تقليدياً يكرس أنوثتها، لا غياً إنسانيتها وفاعليتها، فإنها لا تتبنى إلاَ ثقافة الحريم وآخر صرعات الموضة من خلال ممارستها لحرية مشبوهة ومشوهة مبتذلة ومتحررة من كل القيم والأخلاق عندما تنقاد لما يجعلها سلعة ومستهلكاً بالوقت ذاته.
فعندما يتحول الجمال إلى مظهر جسدي شبه عارٍ، يستنزف الوقت والمال والقدرات الذهنية، وهذا ما يعكس خللاً خطيراً في نظرة المرأة لذاتها يجعلها تسلك كل السبل وأسوأ الطرق للحصول على ما يجعلها امرأة جميلة متحررة، تساعدها في ذلك منظومة المثل العليا للجمال والمتمثلة فيما تبثه الفضائيات ووسائل الإعلام وتلك المجلات النسائية التي تروج لآخر صرعات الموضة والأزياء والمكياج وحميات الريجيم، أو ما يسمى بصناعة الذوق العام. أي أن هناك شركات اقتصادية عملاقة هدفها الربح أولاً، ومن ثم بقاء المرأة دمية تُحَرَكُ بما يثير غريزتها وبما تتلقفه من عالم الأزياء، لترمي ما في خزانتها لأنه لم يعد يناسب تحررها، وبالتالي ستوسم بالتخلف.
ولا يفوتنا أن هذه الأهداف لتلك الشركات بعيدة المدى وعميقة التأثير في المجتمعات بحيث تبقي المرأة على تخلفها الفكري سوقاً رائجاً لتصريف منتجاتها من جهة، ولتكون- المرأة- العائق الأساسي في طريق تطور المجتمع ونهوضه، حيث تبقى النساء في خانات معتمة بعيدات عن المشاركة الفعلية في الحياة العامة، وليس هذا وحسب، بل وبحكم أنها أم ومربية، فإنها ستبقي على هذا الموروث المتخلف، وتضيف إليه أيضاً فهماً خاطئاً للحرية الأنثوية، لأن أصحاب المصلحة في ذلك يعون تماماً مدى قدرات المرأة إن امتلكت الوعي والفكر والثقافة وماهية الحرية التي تنشدها عندئذ، حرية تقلص أرباحهم، وتبطل خططهم، حرية تجعل المجتمع الإنساني أكثر عدلاً وإنسانية وأخلاقية. لأن المرأة بطبيعتها الأنثوية تجنح للسلم والأمن والأمان، وهذا ما يتناقض مع سعيهم للحروب واستغلال الإنسانية لزيادة أرباحهم.
فالوعي هو الحليف الأساسي والرئيسي للمرأة كي تدرك حجم ذاتها وإنسانيتها وحريتها التي يجب ألاَ تستخدمها إلاَ لجعل الأبواب مشرعة أمامها لتعميق مفهوم الحرية والفضيلة والإنسانية التي تجعل الحياة أكثر رقياً وتطوراً.
أحدث التعليقات
2 years 3 weeks ago
3 years 1 week ago
3 years 3 weeks ago
3 years 9 weeks ago
3 years 9 weeks ago
3 years 10 weeks ago
4 years 17 weeks ago
4 years 18 weeks ago
4 years 18 weeks ago
5 years 12 weeks ago