أبو ربيع.. طرطوس – الأربعاء 12/4/2006
إنها السابعة والنصف مساء..رفعت يدي من المقعد ذي الرقم واحد مودعة حلب في شخص صديقي الرائع ، بينما تحرك داخلي شعور جميل من الإمتنان مع أولى حركات البولمان السياحي. كان صديقي يقف على الرصيف ملوحاً وقد اطمئن إلى رحيلي بسلام ، وفي عينيه مسحة حزينة طبيعية لنهاية يوم رائع تقاسمناه معاً ما بين أشغال وأعمال ، لا تخل من السياحة والترفيه ، فترك ذكرى طيبة لكلينا.
إنها أربع ساعات تفصلني عن طرطوس ، تراني كيف سأمضي أربع ساعات من عمري في أقل من متر مربع ؟
بيد أن الظلام زحف من حولنا ليلف العالم خارج النافذة النظيفة والواسعة ، فلم يترك لي سوى سواده الممل ، لم أفكر بالجالس قربي ولم أنتبه لشكله أو حاله ، كل ما أعرفه أنه رجل يثرثر من حين لآخر مع السائق ومرافقه ، بحكم أننا نحتل المقعدين الأولين ، بينما هاتفه الجوال لا يلبث يهدأ قليلاً حتى يثور من جديد ، محدثاً جلبة واضطراباً بدأ يغزو هدوئي ويسرق النعاس من عيني بعد أن سلمته نفسي ، فأسندت رأسي للوراء مغمضة جفني ، أتجاهل الفيلم السخيف الذي أصادفه للمرة الخامسة..
نظرت إلى ساعتي ، لم يكن الوقت قد أبحر بنا أكثر من نصف ساعة بتقديري إلا أن الظلام لم يمكنني من رؤية عقارب الساعة ، حاولت أن أدقق أكثر ففاجأني صوته الهادر ، بنغمة لطيفة تتسلل عبر ابتسامة هادئة ، قدرت أن ألمحها في ضوء سيارة تمر باتجاه معاكس ..
- إنها السابعة واثنان وخمسون دقيقة ، يا آنسة..
همست له بالشكر بأسلوب حاسم لشيء لما يبأ بعد ، إلا أننا نحن النساء في الشرق ، نتصرف هكذا مع أي رجل نلقاه بلا قناعة ولا فهم ، فد نكون نرغب بالحديث والضحك ، ولكننا ندعي الجدية والذكاء ، فنزم شفاهنا بفخر أحمق تعلمناه من نعومة أظفارنا ، وقد كشفنا نية السوء لهذا الرجل وكل مخططاته الشريرة ، فلن يتمكن من استغلالنا ، وكل ذلك فقط لنبدو ((محترمات)). ضحكت في سري وأنا أدير وجهي إلى النافذة ، من هذه الفلسفة السخيفة ، أقاوم رغبة كبيرة لدي بالحديث معه ، إلا أن ضحكته الواضحة ، لم تكن بلهاء و كأنه يعرف ما بداخلي فيشاركني ضحكتي.
- أبو ربيع تستطيعين مخاطبتي (( أبو ربيع )) ، إن سمحت لي طبعاً أن أستغل هذه الفرصة الحلوة وأنا معك في مقعد واحد..
كان أسلوبه وطريقة كلامه ساحرين ، فينقلني إلى جو مريح أكثر ما احتجت إليه في تلك اللحظة ، وقد شارفت على الإنهاك ، سأتحدث معه وأستغل أنا أيضاً ((هذه الفرصة الحلوة وأنا معه في مقعد واحد ))
- أهلاًً سيد أبو ربيع ، أنا ......
وضعت يدي في كفه الكبيرة التي امتدت أمامي تدعوني فيما تبقى من الطريق ، إلى سلام زاد في بياضه كذبتي البيضاء وقد اختلقت له اسماً غير اسمي ، كبعض من الوفاء لمعتقداتي القديمة بالحذر من الرجال، سألني عن سبب وجودي في حلب وقد انتبه بأن لهجتي – ساحلية- كما قال ، فشرحت له باختصار بأني طالبة في كلية الهندسة المعمارية ، أحضر لمشروع تخرجي في حلب ، وكنت أبحث عم مخططات لأرض المشروع ، دون أن أغفل عن رسم ملامح وجهه في عقلي ، مستغلة أضواء موكب عرس كبير..
بدا أبو ربيع رجلاً وسيماً وجذاباً في عقده الخامس من العمر ، تنم أناقته وتصرفاته عن شخصية مثقفة وقوية لا تخل من خبث يطل من عينين حادتين بعض الشيء ، وإن كان نوعاً من الخبث المحبب الذي ينم عن ذكاء وظرف ، وباختصار كان من النوع الذي يمر سريعاً إلى قلبي..
- مهندسة معمارية ؟ لم أخطئ في تقديري إذاً، فمذ لمحتك على رصيف الإنتظار تضحكين ، أدركت أن لك صلة ما بعالم الفن
- دهشت لجوابه ، ولا أخفي فرحتي به ، حدثني عن نفسه بأنه من حلب ، وكيل لشركة تجارية كبرى لقطع السيارات ، وأنه في مهمة عمل في مرفأ طرطوس ، دون أن ينسى شكر الله على حظه الرائع لحجزه في تلك الرحلة ، وفي هذا المقعد بالذات ..قاطعته بابتسامة تعبة قليلاً وتابعت صمتي أستحثه ليكمل كلامه، إنه أب لثلاثة أولاد ، صبيان وبنت أكبرهم ربيع ، يحضر للشهادة الإعدادية ، وراح يشرح لي كم يحب ربيع دراسة الهندسة مستقبلاً ، فينضح من كل خلية منه حب أبوي جارف زاد من إحساسي بالراحة له..
وكعادتي حين ورود ذكر الهندسة والعمارة أمامي ، أمسك بها موضوعاً لمناقشة طويلة أعبر فيها عن مدى حبي وتعلقي بهذا المجال ، مستعرضة ثقافتي فيه وقد تعبت كثيراً لتحصيلها ، إلا أنه كان بارعاً في إدارة النقاش فبهرني بثقافته وأسلوبه ، وامتد بحواره بشوق أثار استغرابي وأنا أذكر جيداً كم عبر لي ناس – مهما كانوا مقربين – عن مللهم من حديثي هذا ، فأثبت عليه مظهرة له إعجابي بلا خجل .. ومع إعلان المرافق وصولنا إلى استراحة حماه ، كنا انتقلنا إلى حديث آخر دون أن أغفل أنه أغلق هاتفه الجوال أمامي مخرساً نغماته المتعددة ، وإن كانت كلها من نوع الموسيقا الدافئة.
لم أرغب بالنزول من السيارة في الاستراحة ، متحججة بالبرد ، وإن كان ذلك تلافياً لإحراج قد يصيبني إن دعاني لفنجان قهوة ، ماذا يحصل لو شربت معه فنجان قهوة ؟ فكرت قليلاً، من يدري ربما عرفني أحد ركاب البولمان ووجد في جلستي الطبيعية هذه مادة ساخنة يلوك بها سيرتي ...سحقاً لمعتقداتي القديمة، إلا أنها هزمتني مجدداًً ، فاستسلمت للمقعد الدافئ..لم يصر علي كثيراً ، محترماً رغبتي ، ومضت الدقائق العشر وأنا أعيد التفكير بيومي التعب والسعيد هذا..مدركة جيداً أن كل ما ينتظرني في الغد ، يدعوني للإحباط وأنا أعرف سلفاً أن كل ما أنجزته ، لن يعني شيئاً لأساتذتي في الجامعة ، ولن يترددوا عن اتهامي بالتقصير والتأخير ، فرفعت كتفي بطريقة طفولية دون اكتراث لكل ما سيقولونه لي مادمت سعيدة برفقة شخص مثل أبي ربيع ..
عاد الركاب متسلسلين ، وتأخر عنهم ، أيعقل أني اشتقت إليه ، أم اعتدت رائحة عطره تنبعث بلطف في فضاء هذا المتر المربع ؟
وأطل يحمل زجاجتي عصير تسبقه ابتسامته الواثقة ، وقبل أن أفتح فمي بكلمة أمطرني بشرح حول كيفية إقناعه المرافق بالسماح لنا بشرب العصير داخل البولمان ، فأنا أبدو تعبة وبحاجة لبعض الفيتامينات كما قال . فتح الزجاجة وانشغل بالبحث عن منديل ورقي في جيبه..ورحت أفكر، لو كان منطقي العادي معي لكنت قررت بأنه لاينبغي أن أقبل ، فالرجال لا يعطون عادة بلا مقابل ولو كان عطاؤهم ، زجاجة عصير ، ولكني الآن أعيش في منطق آخر ، هو أني سأستغل السعادة ولو كانت لخمس دقائق..
مددت يدي نحو الزجاجة المقدمة لي ، ولا أحمل شكراً إلا ابتسامة صادقة نطقت بها طيات وجهي .
- أتعرفين أن ابتسامتك دافئة جداً ..وحنونة أيضاً ؟
بكل صراحة خاطبني ، لم تكن كلماته مبتذلة وكأنه يفكر بالجملة ألف مرة قبل أن يقولها ، لم تكن محاولة سخيفة لفتح حوار سخيف يستغله أي رجل مع أية امرأة يصادفها ، كانت صراحة عبر فيها عن إعجاب واضح يطل بجرأة أعجبتني من عينيه الخضراوين ، فخطر لي أن أسأله كيف يلمس الدفء والحنان من خلال بسمة صغيرة ، لم أكن أدري أن بسؤالي هذا قد دخلت معه حواراً لذيذاً في علم النفس والتأثير بالآخرين ، ومن حديث لحديث كنا نقترب أكثر من طرطوس ونقترب أكثر من بعضنا ، ربما بحكم الراحة وقد ترعرعت رويداً رويداً بيننا ، حتى التصقنا ، وصمتنا..
أمسك تذكرة الحجز الخاصة به ، وكتب عليها اسمه الكامل ورقمه مع الوصول إلى نهاية الطريق ، ناولني تلك التذكرة بينما كان وجه أبي الحبيب يطل من بعيد مستنداً إلى سيارته بملل ، وقد تأخر موعد وصول الرحلة ، دون أن يدري كم صلت ابنته لحصول ذلك التأخير.
- اتصلي بي دائماً ..شرف لي معرفتك يا آنسة.......
تلعثمت بالخجل من ذكره اسمي الحقيقي ، لم أدر كيف عرف به ، ولكن اعتراني حياء شديد وشعور بالذنب ، فضح محاولاً تبديد ما لم بي من حرج.
- لا عليك ، لا يهمني اسمك الجميل هذا ، بقدر ما يهمني أني قد عرفتك..
ومضى حاملاً حقيبته السوداء ، مخلفاً وراءه خيط رائحة علقت بكفي التي ترك فيها شيئين ، آثار أصابعه وقد ودعتني بحرارة ، وتذكرة حجز فيها اسمه ورقمه، ولا أدري لم هرعت أنظر إليها بتمعن ، فلم يهمني حينها أن أعرف اسمه ورقمه ، لأن المفاجأة كانت رائعة ، فما وجدته في خانة رقم الجلوس لم يكن الرقم – 2-بل الرقم -32-.لم تكن مفاجأة فحسب بل مسك ختام لأربع ساعات من عمري مضت كالنسمة الرقيقة ، أتراه غير مقعده قصداً ليشاركني مقعدي عن سابق إصرار وتصميم متهماً الصدفة ؟ أم أنها صدفة فعلاً ولم أفهم كيفية حدوثها ؟
أياً يكن ، فقد كانت تفصلني عن أبي بضعة أمتار حين مررت بحاوية جانبية والنصر يكلل جبيني بفرحة عارمة..
- شكراً لك أبو ربيع ، بالفعل كانت فرصة حلوة
رميت التذكرة في الحاوية ، وتقدمت نحو أبي متمتمة بسعادة:
((فلتبقى فرصة حلوة))









ارجعتني سنوات الى الخلف.... الى حكايا صديق المكان "وهي عبارة استعرتها من إيناس احدى صديقات اختي لبنى"....
صديق المكان الذي كنت اترقبه كل مرة عندما اضع رجلي في البولمان راجعة من دمشق او من طرطوس....
كنت دائما أقول اننا نتشارك مع اهلنا صلة الدم ...ومع اصدقائنا صلة الصداقة .... ومع جيراننا حق الجيرة... ومع من يجلس بقربنا في البولمان ...."البلمنة" وهي صداقة المكان... والتي يمتزج معها ... قليل من الاثارة ... وحب الظهور بمظهر مختلف جدا اجيانا ومرات اخرى بمظهر يشبهنا جدا ... بل ويشبهنا اكثر مما تشبهنا انفسنا عندما نتعامل مع اهالينا او اصدقائنا.
قرأتك يا صبا وانا افهم كل شعور مررته....لا لأني خبيرة في علم النفس بل لأننا تشاطرنا المرحلة... الجامعة والسفر والمشاريع والبولمانات...
وبحكم ان كلينا نبت من نفس الشجرة.... فذلك الاحترام الاعمى -أحيانا بل في اغلب الاحيان- لتلك الصرة القديمة من المعتقدات التي ورثناها تبقى فينا وتظهر في كل موقف نحب ان نشبه فيه انفسنا....
لكنني كسرت الكثير منها حبا بمعرفة المزيد و باكتشاف الاخر ورغبة مني في ان اكون حرة اشبه نفسي ولا اعيش ازدواجية الشخصية التي ان تخلصنا منها صرنا احرارا...
هذه هي حريتي .... أن اكون شخصية واحدة اعرف نفسي واقدرها واعرف الصح والخطأ.....
تحياتي لك يا صبا....
وبانتظار المزيد من كلامك الحلو .... الحقيقي...!